طريق الحرير .. استراتيجية القوة الناعمة



في الأعوام القليلة الماضية شهدت منطقة الشرق الأوسط أحداثًا غيرت موازين القوى في المنطقة، وعملت على إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد، وعلى الرغم من تلك الأحداث والتغيرات، حافظت كل من المملكة العربية والسعودية ومصر على بصمتهما بوصفهما الدولتين الأكثر ثباتًا وتفاعلاً مع الأحداث في محاولة لإعادة التوازن إلى المنطقة. ولأن كلا الدولتين تعتبران الأكثر تأثيرًا ونفوذًا، كان من الطبيعي أن تواكبا الأحداث المتغيرة والمتجددة والمستمرة بتبني استراتيجية منهجية مستقبلية للتنمية في منطقة الشرق الأوسط (حتى عام 2030). إن هذه الاستراتيجية  تعبر وبقوة عن المستقبل الذي تنتظره المنطقة وما يواكبها من تغيرات وتحالفات تختلف كثيرًا عن الماضي. أولى تلك الخطوات التي تبنتها الدولتان تعبيرًا عن هذه الاستراتيجية كانت انضمامهما إلى معاهدة طريق الحرير التجارية )التي اقترحتها الصين(، والتي من المتوقع لها أن تكون ذا أثر هام في دفع المنطقة إلى حيز مختلف التأثير والنتائج، وإلى تعاون يعيد تشكيلها اقتصاديًا واجتماعيًا، ويعيد ترتيب موازين القوى من جديد في هذا الإقليم، الذي يعتبر مصدرًا هامًا للطاقة وتتجمع حوله المصالح، ليصبح نقطة أساسية وهامة في استراتيجيات الدول الكبرى ومركزًا لأطماع إقليمية ودولية لا تنتهي.
فما هي هذه الاتفاقية ؟، وما المغزى منها ؟، وما الآثار المتوقعة والمأمولة في المستقبل القريب ؟، وماهي الآثار المترتبة في الحاضر والمستقبل على منطقة الشرق الأوسط بموقعها المتفرد جراء تلك الاتفاقية ؟، وهل تنفيذ هذه الاتفاقية يساعد على استقرار الوضع في المنطقة وإنهاء الصراعات المستمرة ؟.
طريق الحرير بين الماضي والمستقبل
تعتبر مبادرة (حزام واحد طريق واحد) والتي عُرفت إعلاميًا باسم طريق الحرير مشروع الصين الأول والذي تسعى من خلاله إلى شغل حيز مختلف على خريطة العالم الاستراتيجية، وربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. يرجع تاريخ طريق الحرير إلى القرن الثاني ق.م، وسمي بذلك لاحتكار الصين وقتها صناعة الحرير واستخدامه كهدايا في العلاقات الدبلوماسية، وكان هذا الطريق عبارة عن مجموعة من الطرق المترابطة تسلكه القوافل بهدف نقل البضائع التجارية بين الصين وآسيا الوسطى وبلاد الفرس والعرب وآسيا الصغرى وأوروبا، وكان من أهم هذه البضائع الحرير والخزف والزجاج والأحجار الكريمة والتوابل والعطور والعقاقير الطبية. ولقد ساهم هذا الطريق في نقل المعارف والثقافات بين الحضارات المختلفة، فانتقلت عبرها الديانات والفلسفات والفنون. وظل طريق الحرير يلعب دورًا هامًا في التبادل التجاري والثقافي بين الشعوب والحضارات التي يمر عبرها حتى القرن السادس عشر الميلادي. وواكب هذا الطريق البري طريق بحري عبارة عن مجموعة من الطرق التجارية البحرية التي ازدهرت تزامنًا مع طريق الحرير البري، وكان هذا الطريق البحري يربط بين الصين ومناطق في آسيا وإفريقيا، وينقل من خلاله سلع تجارية أخرى أشهرها التوابل والمنسوجات والمشغولات المعدنية.
قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بطرح استراتيجية لتطوير الاقتصاد في عام 2013 تحت شعار (حزام واحد.. طريق واحد) وعرفت إعلاميًا "بطريق الحرير" إشارة إلى الطريق الذي كان يربط الصين بكل من آسيا وإفريقيا. تهدف هذه المعاهدة إلى إنشاء البنية التحتية للدول التي تمر بها من أجل التنمية وتعزيز الاقتصاد العالمي من خلال تغيير خريطة التجارة العالمية للوصول إلى التنمية المتكاملة.
سيمر هذا الطريق بأكثر من 100 دولة، ويشمل 63% من سكان العالم، 29% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وربع مبيعات الصين في العالم من سلع وخدمات. يفتح هذا الطريق آفاقًا جديدة للتعاون بين الصين ودول الشرق الأوسط، وسيتركّز الحزام الاقتصادي وفق هذه المبادرة على ثلاثة خطوط رئيسية: الخط الأول يربط بين الصين وأوروبا مرورًا بآسيا الوسطى وروسيا؛ والخط الثاني يمتد من الصين إلى منطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط مرورًا بآسيا الوسطى وغربي آسيا، والخط الثالث يبدأ من الصين ويمر بجنوب شرقي آسيا وجنوب آسيا والمحيط الهندي. ورسمت هذه المبادرة مجالات رئيسية للتعاون الدولي في بناء "الحزام والطريق"، منها إنشاء شبكات البنية التحتية التي تربط بين شتى المناطق التي يمر بها الطريق والتي وقع أغلبها على المعاهدة، ما يعني بناء مشاريع تتعلق بشق الطرق ومد السكك الحديد في المناطق المسدودة، وبناء المنشآت الأساسية لضمان سلاسة الشحن البري والبحري والجوي وسلامته، والحفاظ المشترك على أمن أنابيب النفط والغاز، وبناء الممرات العابرة للحدود للطاقة الكهربائية، إضافة إلى توصيل كابلات شبكات الاتصال التي تسمى مجازًا «طريق الحرير المعلوماتية».
يتضمن الفرع البري من المبادرة ستة ممرات إضافة إلى طريق الحرير البحري الذي يمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط وهي:
·      الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.
·      ممر الصين - مونغوليا - روسيا الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.
·      ممر الصين - آسيا الوسطى - آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.
·      ممر الصين - شبه جزيرة الهند الصينية الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.
·      ممر الصين - باكستان الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان.
·      ممر بنغلاديش - الصين - الهند - ميانمار الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.
ومن أجل تسهيل التجارة والاستثمار، تقترح المعاهدة إزالة الحواجز الاستثمارية والتجارية، وبناء مناطق للتجارة الحرة، ودفع التوازن التجاري، وتنمية الأعمال التجارية الإلكترونية العابرة للحدود، والتعاون في تطوير الطاقات النظيفة والمتجددة، والحفاظ على التنوع البيولوجي ومواجهة التغير المناخي لبناء «طريق الحرير الخضراء». لذا فإن هذه المبادرة لا تعتبر مجرد مبادرة لتسهيل وتوسيع حجم التجارة من خلال إزالة العوائق أمام هذه التجارة وتخفيض التكاليف بقدر ما تعتبر مبادرة تسعى لتقديم دعم تنموي في المناطق التي تمر بها من خلال المشروعات المزمع تنفيذها، فهي تحمل بين طياتها مكاسب اقتصادية محتملة للدول النامية المعنية بالمبادرة.
الدول العربية في عيون معاهدة طريق الحرير
لقد وقعت خمس دول عربية معاهدة طريق الحرير مع الصين وانضمت 7 دول عربية (السعودية والإمارات والكويت وقطر وعمان والأردن ومصر) إلى البنك الآسيوي للاستثمار الذي أنشأته الصين ضمن منظومة مالية من أجل تمويل المشروع تتضمن: إنشاء صندوق طريق الحرير يهدف إلى الاستثمار في المشاريع المعنية، وإنشاء أجهزة مالية متعددة الأطراف، منها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB)، والجدير بالذكر أن 57 دولة في القارات الخمس أعلنت انضمامها إلى هذا البنك كأعضاء مؤسسين حتى نهاية حزيران (يونيو) الماضي، معظمها الدول الصناعية الكبرى باستثناء الولايات المتحدة واليابان وكندا بالإضافة إلى إيران وإسرائيل. ومما لا شك فيه أن مشاركة هذه الدول، التي قد تختلف بل تتنازع مواقفها السياسية، في هذا البنك تحمل دلالات هامة كأعضاء مؤسسين. أقامت الصين أيضًا علاقات شراكة استراتيجية مع ثمان دول عربية وأصبحت أكبر شريك تجاري لعشر دول عربية.
إن الصين تنظر للمنطقة كمصدر أول للطاقة على مستوى العالم فقدرتها على التأثير عليها يعتبر من الأهمية بمكان لمنح مزيد من الانخراط في قضايا المنطقة والسعي الدؤوب لتوطيد علاقاتها مع دول الإقليم، لذلك فإن الصين تثمن كثيرًا الاستقرار في المنطقة من أجل تحقيق التنمية، وتعطي له الأولوية من أجل الوصول إلى مجتمع ذي مصلحة مشتركة، وهو ما يعززه دورها المتنامي في منطقة الشرق الأوسط. تعتمد الصين أيضًا مبدأ عامًا بعدم التدخل في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتعهد بدعم السيادة والاستقرار والأمن الإقليمي وهو ما يجعلها مصدر حفاوة من الحكومات العربية، فالصين لا تربطها بدول المنطقة أي عداوات راسخة معروفة أو خلافات جوهرية ولهذا فهي تتمتع بمرونة في التعامل مما يمنحها العديد من المزايا.
إن الصين تستهدف الوصول بحجم التجارة الثنائية بالنسبة لأفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020 والوصول بتجارتها مع الدول العربية إلى 600 مليار في الأعوام القادمة، ورفع رصيد استثماراتها الغير مالية في الدول العربية من 10 مليارات إلى أكثر من 60 مليار خلال السنوات العشر القادمة حسب دراسة أجرتها جمعية رجال الأعمال المصريين. ويبرز هنا دور مصر الهام بوصفها دولة بحرية بموقع جغرافي فريد كملتقى للقارات الثلاثة، وبها أهم ممر مائي عالمي هو قناة السويس، إلى جانب كونها نقطة ارتكاز رئيسية في السوق الأفريقية، وبالتالي تعتبر من أهم المناطق المستهدفة في الاستثمارات الصينية بهدف التصنيع من أجل التصدير، حيث إنها تعتبر أيضًا الباب الرئيسي لتصدير المنتجات لمختلف الدول الإفريقية، إن موقع مصر الجغرافي والاستراتيجي يجعلها مركزًا استراتيجيًا هامًا ويحقق لها دورًا محوريًا في الشراكات والتحالفات الاقتصادية الهامة. أما المملكة العربية السعودية فموقعها الاستراتيجي يميزها كثيرًا كونها تربط بين القارات الثلاثة أوروبا وآسيا وأفريقيا، وانتهت بالفعل من إقامة مناطق اقتصادية خاصة لم يبقَ سوى إعلانها كمنطقة تجارة حرة هي مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بجازان، والتي تعزز المنافسة والثقل الاقتصادي للمملكة، وتحقق كذلك الأمن الإقليمي لكل دول الخليج على المدى البعيد. تخطط الكويت كذلك لاستثمار 130 مليار دولار لتأسيس منطقة جديدة تحمل اسم "مدينة الحرير" في منطقة ساحلية شمالية، فيما تخطط عُمان لتأسيس منطقة "الدقم الاقتصادية الخاصة" في منطقة ساحلية شمال شرقي عُمان. أما دبي فقد غدت العاصمة غير الرسمية للشرق الأوسط على طريق الحرير نظرًا لأنها نقطة تجمع للأموال والأفكار والتجارة.
إن مشروع طريق الحرير الجديد "حزام واحد.. طريق واحد" لن يساهم فقط في تنشيط الاقتصاد الخليجي والبالغ حجمه 1.6 تريليون دولار، بل إنه سيساهم بكل تأكيد في تغيير المشهد الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط نحو الاستقرار والأمن وخاصة لدول الخليج مما يعني استمرارها لتحقيق أهداف تنموية مستدامة، إلى جانب كل من مصر والسودان والأردن الذين يرتبطون بالطريق جغرافيًا أولاً، وبدول الخليج ثانيًا كحلفاء استراتيجيين.
لقد طرح الرئيس الصيني استراتيجية (1+2+3) للتعاون الصيني – العربي والتي تعني بالطاقة: أولها أن الطاقة هي جوهر التعاون الثنائي، وثانيها ضرورة تعميق التعاون من خلال سلسلة صناعية تشمل الغاز والنفط وكذلك سلامة ممرات نقل الطاقة، واعتبار الطاقة النووية والأقمار الصناعية والطاقة الجديدة هي الأهداف المعنية كمجالات للتكنولوجيا الفائقة الجديدة.
تدعم الصين أيضًا من خلال هذه المعاهدة ضرورة إجراء حوارات بين الحضارات تدعو إلى التسامح والمنفعة المتبادلة، ودعت إلى ضرورة تعزيز التبادل الثقافي والأكاديمي والإنساني والإعلامي بين الصين والدول العربية، والبحث عن نقاط الاهتمام المشترك ومجالات التفوق، وستقوم الصين بتقديم عشرة آلاف منحة حكومية سنويًا لطلاب هذه الدول للدراسة في الجامعات الصينية.
إن الصين تعتبر سياساتها تجاه الشرق الأوسط من السياسات الصامدة أمام اختبارات الزمن وصعوبة الأوضاع المعقدة، وأنها ستكون قوة بناءة في تحقيق السلام والتنمية في المنطقة، فهل بالفعل يمكن لمبادرة طريق الحرير أن تمثل خطوة في تحقيق السلام في المنطقة ويعمل على نزع فتيل التوترات الإقليمية؟
معاهدة طريق الحرير والسلام في الشرق الأوسط
إن أبرز النتائج المتوقعة من معاهدة "حزام واحد ... طريق واحد" هي أنها تتيح لدول المنطقة الفرصة لتكوين وحدة مصيرية مشتركة يكون الرابط الأهم بها هو المصالح التنموية المشتركة، فكما ذكرنا سعت الدول لتكون أعضاء مؤسسة في البنك الآسيوي للاستثمار الممول للمبادرة، وتعمل الآن أيضًا على إحلال الأمن المطلوب من خلال القضاء على المنظمات الإرهابية ومموليها في المنطقة، وكذلك إعادة النظر في السياسات العامة للوصول إلى مبدأ الكسب المشترك بدلاً من المعادلة الصفرية والغالب والمغلوب، وتبني مواقف سياسة مشتركة تعمل على تعزيز التعاون والتنمية المستدامة وبالتالي إحلال السلام المطلوب.
إن منافسة الصين لدور الولايات المتحدة القيادي في المنطقة يعتبر السبب الأهم وراء رفضها الانضمام إلى هذه المعاهدة (فأمريكا لن تضحي بدور القيادة في المنطقة لصالح الصين)، هذا بالإضافة إلى دور الصين الاقتصادي والسياسي المتنامي والمؤثر في أوراسيا دعمًا لروسيا التي تحاول أن تخلق في تلك المنطقة نظامًا عالميًا جديدًا يقوض من خلاله الوجود الغربي في تلك المنطقة، وأيضًا علاقاتها القوية بأوروبا وإفريقيا. فالولايات المتحدة تزعم أن الصين تحاول السيطرة على العالم وفرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، ولكن وعلى الرغم من ذلك فإن هذه المعاهدة تعزز أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية، حيث إنها تتكامل مع اتفاقية التجارة المقترحة من الولايات المتحدة والتي تهدف إلى وضع قواعد للتجارة الدولية.
تتخوف الولايات المتحدة أيضًا من كون الصين تسعى لتوسعة نفوذها العسكري حول العالم ببناء موانئ عسكرية في بعض المناطق الغير مستقرة كباكستان وأفغانستان على طريق الحرير من أجل ضمان أمن وسلامة المنشآت والنقل البحري، وذلك على خلفية تقرير البنتاغون الذي أقر بأن الصين تملك أقوى أسطول بحري في المحيط الهادئ بأكثر من 300 سفينة.
 ولذلك وجب هنا الإشارة إلى أن الأمن في منطقة الخليج العربي لا يقل أهمية لبكين ونيودلهي عنه لواشنطن. ولهذا فإن الصين لن تقنع بعد الآن بالمكوث تحت المظلة الأمنية الأمريكية في الخليج، وهو ما ينطبق أيضًا على الهند التي بدأت بالفعل بالقيام بدوريات بحرية واثقة في بحر العرب، وخصوصًا أن نفوذ الصين والهند على إيران يفوق النفوذ الأمريكي.
إن الصين تتفهم تمامًا كيف تربط الاقتصاد بالأمن في سياستها الخارجية لذلك تعمل على تعزيز اقتصاد الدول المعنية بالمبادرة كأساس لتعزيز الأمن المشترك عبر القارات، مما يجعل سياساتها الخارجية تختلف عن السياسة الخارجية الأمريكية التي تحافظ على الاقتصاد والأمن في صوامع منفصلة، وتحاول حل الصراعات في العالم عسكريًا (الاتفاق النووي الإيراني استثناء).
حين يذكر السلام في الشرق الأوسط يجب أن لا نغفل دور إسرائيل في المنطقة ككيان يصارع من أجل الوجود والاستقرار، في ظل استمرار رفض الدول العربية لها لتعنتها في حل القضية الفلسطينية. إن إسرائيل ترتبط بعلاقات تجارية قوية مع الصين تصل إلى حوالي 12 مليار دولار، فالتعاون الصيني الإسرائيلي قائم على مجالات مختلفة وواسعة مثل معالجة مياه الشرب والزراعة والفضاء الإلكتروني والمعدات الطبية. وبالتالي فإن إسرائيل لم تكن في حاجة إلى الانضمام إلى المعاهدة إلا أنها وافقت على الانضمام وأصبحت من الأعضاء المؤسسين في البنك الآسيوي للاستثمار الذي يمول طريق الحرير، والذي من شأنه أن يعزز التعاون بين البلدين ليتعدى حدود التعاون التجاري السابق الذكر إلى مشروعات أخرى تهم الجانب الإسرائيلي تتمثل في البنية التحتية والترابط التجاري، و "طريق الحرير المعلوماتي"، ووضع إسرائيل كوسيط بين قوتين رئيسيتين في العالم (الصين وأمريكا).
لقد بدأت بالفعل أولى خطوات التعاون بين البلدين في طريق الحرير بقيام الصين بإنشاء ميناء الكرمل القريب من حيفا عام 2007، وشيدت خطوط السكك الحديد التي أُطلق عليها ميد-ريد (إشارة إلى البحرين الأحمر والمتوسط) لتربط بين ميناء إيلات وأشدود مما جعل إسرائيل جسرًا بريًا في طريق الحرير البحري، وعزز قدراتها كمركز لوجيستي تجاري رئيسي، وتقوم حاليًا شركة تشاينا هاربور ببناء ميناء خاص إلى جانب ميناء أشدود الحالي، وحصلت مجموعة ميناء شانغهاي الدولي كذلك على ترخيص لتشغيل ميناء خاص آخر في أعماق البحار ومخطط أن يتم بناؤه في حيفا. من المهم أن نشير أيضًا إلى تفوق إسرائيل في مجال التكنولوجيا الإلكترونية الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطريق الحرير المعلوماتي، وبالفعل تم الإعلان عن مبادرة أُطلق عليها "إنترنت بلس" في مارس 2015 لمدة عشر سنوات تعمل على تعزيز الفضاء الإلكتروني بدمجه مع شبكات الصناعة والتجارة والمصارف، وتلعب دورًا هامًا في ربط إسرائيل بأوروبا والولايات المتحدة.
وأخيرًا نستطيع أن نقول إن نفوذ الصين الطاغي في إيران وباكستان يسمح لها بالضغط الاقتصادي على كلٍ منهما من أجل تحقيق مطالبها. فالصين تنفرد بكونها القوة الرئيسية الوحيدة العضو الدائم في مجلس الأمن القادر على التفاوض مع إسرائيل وإيران والقوى السنية في الشرق الأوسط في نفس الوقت، دون التحيز لأي طرف، مع الحفاظ على نفوذها الاقتصادي على المدى الطويل. فالصين قادرة على سبيل المثال أن تصل بالمياه الإسرائيلية إلى إيران، وأن تأخذ المبادرة العملية في توصيل التقنية الزراعية وتقنية معالجة المياه الإسرائيلية إلى إيران حين تصل أزمة المياه بها إلى مستوى قد يعرقل الاستقرار السياسي. 
الخاتمـــة
لا تعتبر معاهدة (حزام واحد .. طريق واحد) أو طريق الحرير مجرد استراتيجية للازدهار الاقتصادي، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على أسس مختلفة فقط، بل إنها تعد أيضًا نقلة نوعية في تكنولوجيا المعلومات وسهولة الحركة بين الدول ونشر قيم التسامح والتفاهم بين الشعوب.
لذا فإننا نأمل أن تكون هذه المعاهدة بذرة الأمن التي تثمر السلام المرجو في الأعوام القادمة في المنطقة العربية، وأن تنهي كل الصراعات والخلافات المذهبية والطائفية، وتكون حجر الأساس في تشكيل المنطقة بفكر مختلف قائم على الشراكة والتعاون وتبادل المنفعة ووحدة أهداف التنمية المستدامة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المنظمات الدولية والإقليمية بين وجودها التاريخي ومستقبلها المأمول

التقرير الإستراتيجي " العرب الفلسطينين داخل الخط الأخضر " سيناريوهات مستقبلية